الروم (المسيحيون اليونانيون الأنطاكيون)
حماة الإيمان والتراث
(مصطلح «الروم/الروميوي» يعني «الرومان الشرقيين»، أي الورثة اليونانيين للإمبراطورية البيزنطية)
على مدى ما يقارب ألفي عام، حافظ مسيحيو الروم على حضور متواصل ومستمر في بلاد الشام. وباعتبارهم أكبر جماعة مسيحية أصلية في المنطقة، فإن وجودهم يسبق العروبة، مع احتفاظهم بهوية راسخة تربطهم باليونان باعتبارها مهدهم وأمّهم الروحية. لقد شكّلت أديرتهم وليتورجيتهم المشهد الروحي لقرون طويلة، وترسّخت عقيدتهم وتجذّرت في أنطاكية منذ زمن الرسل. وكلمة “الروم”، التي تعني “الرومان”، تشير إلى أنهم ورثة العالم الروماني الشرقي (البيزنطي).
وصف المؤرخان في أوائل القرن العشرين، بافلوس كاروليديس وقسطنطين باشا، الروم بأنهم ليسوا وافدين جدد، بل أحفاد مستوطنين يونانيين — ولا سيما مقدونيين ورومان وبيزنطيين — اختلطوا بفينيقيين متهلّنين وسريان وغيرهم. وفي نظرهما، كان الروم جزءًا من فسيفساء سكانية متوسطية أوسع، امتزجت فيها الثقافات مع الحفاظ على استمرارية التراث المسيحي اليوناني. ويكتب كاروليديس أن “أنطاكية والإسكندرونة واللاذقية كانت وارثة للمستوطنات الهيلينية القديمة، محافظةً على المؤسسات الليتورجية والمجتمعية اليونانية”.
وعلى الرغم من انتشار الإسلام بسرعة وبالقوة في أجزاء أخرى من الشرق الأدنى، احتفظ الساحل الشامي بحضور مسيحي قوي. وتشير المصادر الوسيطة إلى هذه الصلابة، مبيّنة أن أنطاكية واللاذقية كانتا من آخر المدن التي استسلمت. وقد سجّل بورشارد من جبل صهيون، بعد مسحه للمنطقة، نسبة ثلاثين مسيحيًا مقابل مسلم واحد في ساحل سوريا، ما يدل على أن المسيحيين كانوا يشكّلون غالبية واضحة ومرئية. لقد كانت المنطقة معقلًا راسخًا لمسيحية الروم، وكان الساحل ذاته حصنًا مسيحيًا.
وفي كتاب “المستوطنات الريفية في العصور الوسطى في المنطقة الساحلية السورية”، يذكر المؤلف أن “المنطقة الساحلية كانت تعجّ بالطوائف التي كانت عمومًا محتقرة ومضطهدة من قبل الإسلام السائد”.
وفي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، دخل الروم في صراع عميق حول الهوية. فقد أعادت سياسات القوى الكبرى تشكيل بطريركيات أنطاكية وأورشليم، بينما اشتدّ التنافس بين موسكو والقسطنطينية. وروّجت حركات التعريب المدعومة من روسيا لاعتماد الليتورجيا العربية، وشجّعت مسيحيي الروم على التعريف بأنفسهم ليس كيونانيين، بل كـ “عرب” أو “آراميين”، وهي أطروحة ظلّ الروم يرفضونها باستمرار.
وعقب وعد السلطان عبد الحميد بالحرية والحقوق الدستورية (كما ورد في كتاب “بيت الكاهن”)، تراجع لاحقًا عن قراره وأعلن أنه سيحكم وفقًا للشريعة المحمدية. وضمن هذا السياق، صدرت أوامر إلى رجاله بالقضاء على المسيحيين لجعل الأمة إسلامية خالصة.
وقد اشتدت هذه الضغوط خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث وثّقت تقارير الاستخبارات العسكرية الفرنسية والمصادر التاريخية حملات عنف وترهيب وضغوط قسرية ضد قرى الروم، ما استدعى عمليات حماية من قبل “جيش المشرق” (Armée du Levant). وبلغ الخوف ذروته خلال أزمة سنجق الإسكندرونة (1936–1939) مع تقدّم قوات الضمّ التركية. فهربت عائلات الروم نحو اللاذقية ولم يحملوا معهم سوى ما عليهم من ثياب. ووصفت تقارير لجنة بيروت قرى مهجورة وعائلات وصلت منهكة ومجردة من ممتلكاتها، معلنة: “لن نعيش تحت الحكم التركي مرة أخرى”.
وتسجّل الأرشيفات نداءً متكررًا آخر: “لا نريد سميرنا أخرى”. فبالنسبة للروم، لم تكن سميرنا مجرد ذكرى، بل تحذيرًا؛ رمزًا لما يحدث عندما يدير العالم ظهره للسكان المسيحيين.
إن الاضطهاد التاريخي والمعاصر للروم الأرثوذكس يتجلّى بأشكال متعددة، من التهجير القسري إلى محاولات مستمرة لطمس وجودهم. ومع ذلك، فهذه ليست أمة يمكن زعزعتها؛ إذ إن إيمانهم راسخ في واجبهم المقدس بحمل الصليب. ومن هذا الأساس يعيدون البناء، ويثابرون، ويدافعون عن مجتمعاتهم. لقد وقف الروم الأرثوذكس منارةً للنور للمستضعفين من حولهم، متمسكين بتراثهم ومسؤوليتهم الموروثة. ورسالتهم واضحة: إنهم باقون.




